أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
383
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الأمر ، وقد عرف ما فيه من الخلاف : أعني هل جزمه بالجملة قبله أو ب « إن » مقدرة ؟ . قوله : مِلَّةَ إِبْراهِيمَ قرأ الجمهور : « ملة » نصبا ، وفيها أربعة أوجه : أحدها : أنه مفعول فعل مضمر ، أي : بل نتبع ملة ، لأن معنى كونوا هودا : اتبعوا اليهودية أو النصرانية . الثاني : أنه منصوب على خبر كان ، أي : بل تكون ملة ، أي : أهل ملة كقوله عدي بن حاتم : « إني من دين » أي : من أهل دين ، وهو قول الزجاج وتبعه الزمخشري . الثالث : أنه منصوب على الإغراء أي : الزموا ملة ، وهو قول أبي عبيدة ، وهذا الوجه الأول في أنه مفعول به ، وإن اختلف العامل . الرابع : أنه منصوب على إسقاط حرف الجر ، والأصل : نقتدي بملة إبراهيم ، فلما حذف الحرف انتصب ، وهذا يحتمل أن يكون من كلام المؤمنين ، فيكون تقدير الفعل : بل نكون أو نتبع أو نقتدي كما تقدم ، وأن يكون خطابا للكفار ، فيكون التقدير : كونوا أو اتبعوا أو اقتدوا ، وقرأ ابن هرمز « 1 » وابن أبي عبلة « ملة » رفعا ، وفيها وجهان : أحدهما : خبر لمبتدأ محذوف ، أي : بل ملتنا ملة إبراهيم ، أو نحن ملة ، أي : أهل ملة . والثاني : أنها مبتدأ حذف خبره تقديره : ملة إبراهيم ملتنا . قوله : حَنِيفاً في نصبه أربعة أقوال : أحدها : أنه حال من « إبراهيم » ، لأن الحال تجيء من المضاف إليه قياسا في ثلاثة مواضع على ما ذكر بعضهم : أحدها : أن يكون المضاف عاملا عمل الفعل . الثاني : أن يكون جزءا نحو : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً « 2 » . الثالث : أن يكون كالجزء كهذه الآية ، لأن إبراهيم لها لازمها تنزلت منه منزلة الجزء ، والنحويون يستضعفون مجيئها من المضاف إليه ، ولو كان المضاف جزءا قالوا : لأن الحال لا بد لها من عامل ، والعامل في الحال هو العامل في صاحبها ، والعامل في صاحبها لا يعمل عمل الفعل ، ومن جوز ذلك قدر العامل فيها معنى اللام ، أو معنى الإضافة ، وهما عاملان في صاحبها عند هذا القائل . ولم يذكر الزمخشري غير هذا الوجه ، وشبه بقولك : « رأيت وجه هند قائمة » وهو قول الزجاج . الثاني : نصبه بإضمار فعل ، أي : نتبع حنيفا ، وقدره أبو البقاء بأعني ، وهو قول الأخفش الصغير وجعل الحال خطأ .
--> ( 1 ) عبد الرحمن هرمز أبو دواد من موالي بني هاشم عرف بالأعرج حافظ قارئ من أهل المدينة وهو أول من برز في القرآن والسنن توفي سنة 117 ه تذكرة الحفاظ ( 1 / 91 ) ، الجمع بين رجال الصحيحين ( 1 / 288 ) ، تهذيب الأسماء ( 1 / 305 ) ، الأعلام ( 3 / 340 ) . ( 2 ) سورة الحج ، آية ( 47 ) .